ابن كثير
294
البداية والنهاية
الأشتر أن يثبت مكانه فإنه خير له فأبى عليه ابن بديل ، وحمل نحو معاوية ، فلما انتهى إليه وجده واقفا أمام أصحابه وفي يده سيفان وحوله كتائب أمثال الجبال ، فلما اقترب ابن بديل تقدم إليه جماعة منهم فقتلوه وألقوه إلى الأرض قتيلا ، وفر أصحابه منهزمين وأكثرهم مجروح فلما انهزم أصحابه قال معاوية لأصحابه انظروا إلى أميرهم ، فجاؤوا إليه فلم يعرفوه فتقدم معاوية إليه فإذا هو عبد الله بن بديل ، فقال معاوية : هذا والله كما قال الشاعر ، وهو حاتم الطائي : أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها * وإن شمرت يوما به الحرب شمرا ويحمي إذا ما الموت كان لقاؤه * كذلك ذو الأشبال يحمي إذا ما تأمرا كليث هزبر كان يحمي ذماره ( 1 ) * رمته المنايا سهمها فتقطرا ثم حمل الأشتر النخعي بمن رجع معه من المنهزمين فصدق الحملة حتى خالط الصفوف الخمسة الذين تعاقدوا أن لا يفروا وهم حول معاوية ، فخرق منهم أربعة وبقي بينه وبين معاوية صف ، قال الأشتر فرأيت هولا عظيما ، وكدت أن أفر فما ثبتني إلا قول ابن الاطنابة وهي أمه من بلقين وكان هو من الأنصار وهو جاهلي : أبت لي عفتي وأبى بلائي ( 2 ) * وإقدامي على البطل المشيح وإعطائي على المكروه مالي * وضربي هامة الرجل السميح ( 3 ) وقولي كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريحي قال : فهذا الذي ثبتني في ذلك الموقف . والعجب أن ابن ديزيل روى في كتابه أن أهل العراق حملوا حملة واحدة ، فلم يبق لأهل الشام صف إلا أزالوه حتى أفضوا إلى معاوية فدعا بفرسه لينجو عليه ، قال معاوية : فلما وضعت رجلي في الركاب تمثلت بأبيات عمرو بن الاطنابة : أبت لي عفتي وأبى بلائي * وأخذي الحمل بالثمن الربيح وإعطائي على المكروه مالي * وضربي هامة البطل المشيح وقولي كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريحي قال : فثبت ونظر معاوية إلى عمرو بن العاص فقال : اليوم صبر وغدا فخر ، فقال له عمرو : صدقت قال معاوية فأصبت خير الدنيا وأنا أرجو أن أصيب خير الآخرة . ورواه محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عبد الرحمن بن حاطب ، عن معاوية : وبعث معاوية إلى خالد بن المعتمر وهو أمير الخيالة لعلي فقال له : اتبعني على ما أنت ولك إمرة العراق ، فطمع فيه ، فلما
--> ( 1 ) في الاخبار الطوال ص 176 : كليث عرين بات يحمي عرنيه . . . . قصدها فتقطرا . ( 2 ) في الطبري : وحياء نفسي . ( 3 ) في الطبري 6 / 13 والكامل 2 / 303 : وأخذني الحمد بالثمن الربيح .